يعود تاريخها لما يقرب من ألف عام..

قرية هاوار أحد اقدس أماكن الكاكائيين

تقرير / معاذ فرحان

حلبجة/ كانون الثاني 2021/ أحد الأماكن المقدسة عند الكاكائيين في قرية هاوار  تصوير: سلام عمر 

في أوقات السلم والحرب، حتى حينما كانت المنطقة تحكمها أحد أكثر الجماعات الدينية تطرفاً، لم يتخلّ كاكائيو قرية هاوار عن تقاليدهم وتراثهم الديني الخاص بهم، ويتغلبون على التحديات التي تواجههم طوال ما يقرب من ألف عام.

سكان قرية هاوار التي تبعد 15 كم شرقي حلبجة، يتبعون ديانة خاصة بهم (الكاكائية)، لكنهم يتوافقون مع جميع الأديان الأخرى ولا يميزون أنفسهم عن غيرهم، هذا مثال على العوامل التي أدت الى أن يعَمِّر موطنهم “قرية هاوار” كأحد أقدس أماكن الكاكائيين في العراق على مدار 984 سنة.

قرية هاوار قبلة مهمة للكاكائيين، يتراءى لك من بعيد بأنها قرية مأهولة في جبل شنروي، لكنها في الحقيقة قرية مهجورة، لا يقيم فيها أهلها الا بصورة مؤقتة. تضم القرية حوالي 50 مزرعة وتقدر أعدادهم بـ800 الى 1000 عائلة.

كيف تغلبت على التحديات؟ 

في عام 2001 وقعت القرية تحت سطوة جماعة جند الاسلام المتطرفة التي غُيِّر اسمها فيما بعد الى أنصار الاسلام وحكمت المنطقة حتى عام 2003.

هذا الأمر لم يمثل تهديداً على أقدس أماكن الكاكائيين بل على ديانتهم و تراثهم الخاص ايضاً.

“في تلك الفترة لم تكن بساتيننا قد جفّت، كنا نأتي لنزاول أعمالنا، العقبة الوحيدة التي واجهتنا كان وجود ألغام زرعوها في المنطقة”، هذا ما قاله رمضان هميرخان، المعروف أيضاً بـ(كوساري)، وهو من وجهاء الكاكائيين.

يقول كوساري “عندما وصل نصار الاسلام غادرنا قريتنا، ونتيجة لذلك تهدّمت منازلنا بفعل الأمطار والثلوج.” 

أنصار الاسلام وضعوا سكان قرية هاوار أمام عدة خيارات، دفع الجزية، الحرب، اعتناق الاسلام أو الرحيل، “قررنا أن نغادر القرية، لكنهم لم يمسوا مزاراتنا الدينية، لم يزيلوا قطعة قماش من اضرحتنا المقدسة.”

واضاف كوساري “مكثوا هنا لفترة قصيرة، قالوا بأنهم سيعودون بعد السيطرة التامة على هورامان ووصفونا بالمرتدين.”

هذه الجماعة الكوردية التي كانت تطبق أحكامها وفقاً للشريعة الاسلامية أُدرِجَت من قبل وزارة الخارجية الأمريكية ضمن قائمة “الارهاب” وكانت الولايات المتحدة الأمريكية هي من قصفت مقراتهم في عام 2003 واضعةً نهاية لحكمها في المنطقة.

ربما كانت تلك الجماعة واحدة من أكبر التحديات والمصاعب التي واجهت الكاكائيين في تاريخ قرية هاوار، لكن ذلك لم يقض على التزام كاكائيي القرية بتقاليدهم وطقوسهم الدينية.

لمحات عن الديانة الكاكائية وموطن الكاكائيين 

الكاكائية أو اليارسانية، ديانة توحيدية تزامن ظهورها مع خلق البشرية، أغلب أتباعها من الكورد ويعتبر السلطان  سهاك بن شيخ عيسى البرزنجي مؤسس و محدّث الديانة اليارسانية.

ولد السلطان سهاك في القرن السابع الهجري، عاش في هاوار و شيخان على جانبي منطقة هورامان الواقعين في اقليم كوردستان و ايران و من هناك بدأ بنشر تلك الديانة.

كوجر هدايت (40 سنة) متزوج وأب لثلاثة أطفال، يزور قريته كل اسبوع، اليوم الذي وصل فيه مراسلنا الى قرية هاوار كان كوجر متواجداً في مزرعته مع عائلته وعدد من أقاربه.

“نحظى بعلاقات اجتماعية متينة مع الناس، يذكروننا كمثال على الاحترام والتقدير للغير، لا أحد يتهجّم علينا، لم نؤذ أحداَ ولا أحد يريد مَضَرَّتنا.”

كوجر يداوم في صفوف قوات 70 التابعة للاتحاد الوطني الكوردستاني في كوله جو بمنطقة كرميان، الكتيبة التي يداوم فيها تضم ايزيديين، شيعة وسنة، “نحن على وئام تام”، ويضيف كوجر الذي يمتاز بشواربه الطويلة “أطلقت شاربي كأحد التقاليد التي تتبعها الديانة الكاكائية، الشارب شيء مقدس عندنا.”

أظهرت المتابعات وجود 18 مزاراً خاصاً بالديانة الكاكائية في العراق، تقع مزارات شاه خوشين، سيد خاموش، مير أسكندر و خليفة سمايل في قرية هاوار، بالإضافة الى مقام يقع على قمة جبل في مدخل القرية كان يستخدمه رجال الدين لإلقاء الخطب.

أكبر كريم (50 سنة) يمتهن التعليم و هو من الشخصيات الكاكائية البارزة، يقول أكبر بأنه لا يتذكر تعرض أتباع ديانته في قرية هاوار للضغوط باستثناء ما تعرضوا له على يد أنصار الاسلام.

يقف أكبر الى جانب ثلاثة محال مبنية بالحجر والخشب دون زجاج أو نوافذ.

“حسب علمي، لم نتعرض للضغوط على مدار التاريخ، جاء أشخاص و جماعات مختلفة الى هذه المنطقة لكننا تفاهمنا معهم ولم نكنّ لهم العداوة”، وذكر أكبر ذلك كمثال على السبل التي اتبعوها لحماية موطنهم.

“في السبعينات، اذا توفي أحد في القرى القريبة كان الناس يقصدون مجلس عزائه وهم يولولون، أتذكر ذلك جيداً. وكان سكان تلك القرى يفعلون نفس الشيء ان كان لدينا مجلس عزاء.”

وقال كوساري “كانت هاوار عامرة حتى عام 1978، بعد ذلك تم ترحيلنا الى حلبجة”، وأضاف “في حلبجة قلنا الحقيقة وأخبرناهم بأننا كاكائيون ولسنا مسلمين.”

ويرى أكبر كريم بأن الانفتاح على العالم، أدى الى فتور الأدب والتراث الكوردي، كما اثّر ذلك ايضاً على الأديان الى حد ما.

يطلق على كتاب الكاكائيين المقدس اسم “سَرَنجام” وتسمى نصوصها بالـ(كلام).

“نتحدث بلهجة الماجو ونتلو الـ(كلام)، ديانتنا روحية، محصورة بين الانسان والرب. اطلاق الشوارب واجب ديني لتمييز أتباع الديانة لكن ذلك لم يعد شائعاً بين شباننا.”

“لدينا عدة نسخ من سَرَنجام ولم تُطبَع ، لا يجوز أن نطبعها، لأنه في حال طباعتها قد تطرأ عليه تغييرات”، حسبما قال كوساري.

وتابع قائلاً “الكاكائي الذي لا يملك شارباً، مثل مسلم لا يقيم الصلاة.”

أقلية مسالمة ودون مطالب 

في الوقت الذي يعبر غالبية مواطني اقليم كوردستان استياءهم من الأوضاع التي يعيشون فيها، كاكائيو قرية هاوار ليست لهم اية مطالب أو شكاوى.

القرية لا زالت محرومة من جزء من المشاريع والخدمات، يد الطبيعة هي العليا، منعكسة على هيئة لوحة زاهية في قلب الجبال.

“لا يستطيع الناس البقاء هنا بسبب عدم وجود دوائر حكومية في القرية، غالباً ما يزورون القرية خلال الصيف، القرية مليئة بمنازل رائعة لكن سكانها لا يقيمون فيها، الحكومة بنت طريقاً مبلطاً يصل الى داخل القرية و الكهرباء متوفرة”، حسبما قال أكبر كريم. لا توجد مدرسة في قرية هاوار و مركزها الصحي مغلق منذ أعوام.

لا توجد للكاكائيين في حلبجة أماكن خاصة لتجمعاتهم باستثناء قاعة خاصة بمراسيم العزاء. للكاكائيين مقبرة خاصة بهم في قرية هاوار، وفي حلبجة يدفنون أغلب موتاهم بجوار قبور المسلمين.

منزلة المرأة والحرص على حماية البيئة

معظم كاكائيي هاوار يتزاوجون فيما بينهم، شروط الزواج عندهم قريبة من مثيلتها عند المسلمين، لكي يُسمَحَ للفتاة بأن تتزوج يجب أن تكون قد بلغت الثامنة عشرة من عمرها، حالات تعدد الزواج عندهم شبه معدومة وقد احتفظوا بالعديد من التقاليد الخاصة بالزواج.

للمرأة منزلة كبيرة عند كاكائيي هاوار، ويشركنهن في اتخاذ القرارات، بطلان الزواج عندهم مرهون بالخيانة، ففي حال خيانة أحدهما للآخر يبطل عقد الزواج.

توجد عند كاكائيي قرية هاوار ثلاثة أنواع للخطوبة، أحدها قانونية، وأحياناً تتم الخطبة عند رجل دين مسلم، كما أن لهم مراسيم خاصة بالخطوبة يعقدها رجل دين كاكائي. قلّما يطلب ذوو العروس الذهب والمجوهرات، وذلك حسبما أكد عدد من وجهاء الكاكائيين في قرية هاوار.

قرية هاوار محاطة بجبال ثلجية شاهقة من الجهات الأربع، أشجار البلوط رسخت جذورها على سفوح الجبال، كما تقع عيناك على بساتين الجوز والرمان ممتدة على أطراف جدول المياه الذي يخترق القرية.

الصدق، الطهارة، نكران الذات و التسامح أربع أركان رئيسية للديانة الكاكائية، ويجب على أتباع الديانة عدم التعالي على الغير و أن يرضى بما قسمه له الله.

يولي كاكائيو هاوار أهمية كبرى لحماية البيئة، حول ذلك يقول أكبر “لا نفرق بين أرض قرية هاوار، ألمانيا، بريطانيا أو أي مكان آخر، جميعها مقدسة لدينا، حماية البيئة ركن مهم في ديانتنا، يعتبر الانسان أهم شيء في البيئة، لدينا نصوص بشأن حظر الصيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!