تهديد ووعيد.. هل تدخل إيران في "مغامرة غير معتادة"؟

بعد قتل قائد الحرس الثوي الإيراني، قاسم سليماني، والقيادي في الحشد الشعبي العراقي، أبو مهدي المهندس، بضربة أميركية في العراق، توعدت إيران، على لسان قادتها، بالإضافة إلى زعماء ميليشياتها في العراق واليمن ولبنان برد مزلزل، إلا أن الأحداث التي شهدتها السنوات القليلة الماضية ربما تشير إلى طبيعة الرد المرتقب.

ودأبت طهرات وأذرعها في المنطقة على إطلاق التهديدات مع تصاعد الضربات التي استهدفت ميليشيات موالية لإيران، في العراق وسوريا ولبنان وغيرها من الدول، إلا أن الرد لم يكن يوما على مستوى الوعيد الإيراني الذي يبدو أنه كان موجها حصرا للاستهلاك الإعلامي محليا.

وشنت إسرائيل وطائرات “مجهولة” أكثر من 220 غارة على أهداف إيرانية في سوريا والعراق، وتعرض قادة ميليشيات موالية لإيران، للتصفية والقتل، وكان الرد دوما تصعيد كلامي دون أي أثر فعلي على أرض الواقع.

وعادة ما تستعرض إيران قدراتها العسكرية على شاشات التلفاز الرسمية وإعلانات دعائية عن تطوير صواريخ وطائرات، لكنها لا تستخدمها إلا بشكل محدود من خلال ميليشياتها ومرتزقتها في دول عربية مثل العراق وسوريا واليمن ولبنان. خاصة أن تتبعا بسيطا لما تعرضه من قدرات عسكرية يكشف أنه غير حقيقي ومزور.

الباحث في الشأن السياسي العراقي رعد هاشم في حديثه مع “موقع الحرة” قال إن تهديدات إيران غالبا ما تكون جوفاء، مشيرا إلى أن سياسة التهديدات والوعيد تندرج تحت إطار الحرب الدعائية والكلامية”.

لكن هاشم يشير، في الوقت نفسه، إلى أن إيران لن تقف مكتوفة الأيدي أمام مقتل سليماني بسبب ضغط الموالين للحرس الثوري في إيران بدعوى تهدئة نار الغضب داخل القوات الأمنية التي فقدت زعيمها.

وأضاف أنه رغم أن إيران لديها خيارات انتقام كثيرة، لكنها تحتكم إلى مصلحتها في النهاية لأنها تدرك أن اقتصادها على شفى الانهيار بسبب العقوبات الاقتصادية.

وأضاف أن الرد ليس فقط سيجابه برد أميركي قاس، ولكن بنظام عقوبات أقصى، على غرار تصفير الصادرات النفطية وعقوبات أخرى من قبل أوروبا التي ستضغط عليها الولايات المتحدة.

“إيران لم تنتصر في أي معركة”

ويبين هاشم أن إيران تعلم أنها لن تستطيع الدخول في مواجهة مباشرة سواء مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، حيث أنها لم تنتصر في أي معركة لها عبر التاريخ الحديث، ولاسيما حربها مع العراق.

ويقول: “ربما يكونوا مفاوضين جيدين ومناورين إلى درجة الذكاء والدهاء لكنهم في الحروب يعتمدون العنجهية وهذا الطريق يؤدي إلى خسارة مواجهاتهم، هم يدركون خطر الحرب ويعرفون أن القوى غير متكافئة، والدخول لحرب يعني أنهم ينتحرون سياسيا وعسكريا”.

“ستجتاز الأمر”

من جانبه يرى المحلل السياسي اللبناني، مصطفى فحص، في حديث لـ”موقع الحرة”، أن إيران كدولة تريد أن تحافظ على هذا الكيان، حتى لو تم قتل شخصيات عابرة للحدود وأيقونات لمشاريع، لكنها قد تجتاز الأمر باعتبار أن سليماني ذهب فداء للمشروع، لأن الرد سيؤثر سلبا على الفكرة والمشروع”.

ويضيف أن إيران تعودت تاريخيا على تجاوز المعضلات الصعبة التي كانت تصيبها مثل مقتل عماد مغنية، وكما نرى أكثر من 220 غارة سورية على أهداف إيرانية في سوريا، لكنها فضلت عدم الرد والاستمرار في تمكين حدودها ووجودها في الداخل السوري”، مشيرا إلى أن هذه سياسة “التمكين أهم من الرد” أنتجت في مجملها مكاسب بالنسبة لإيران.

واعتبر بأن سياسة التهديدات تأتي في إطار حشد جمهورها بشعارات تزيد من العصب العقائدي لأن النظام في إيران هو قائم على الشعبوية، ثم تقنع نفس الجمهور بالحفاظ على المكتسبات

“لن تقدم على فعل شيء بهذه السياسة التاريخية التي تعودت عليها، إلا إذا حصل تغير في العقل الإيراني، أو كانت هناك مغامرة غير معتادة وغير محسوبة، لأنها حاليا عالقة أمام جمهورها، فالرد انتحار وعدم الرد هزيمة”.

قتلى موالون لإيران.. تهديدان من دون افعال

يعتمد النظام الإيراني على الدعاية والخطابات لمحاولة إقناع مؤيديه أنه قادر على الرد على أي ضربة توجه له أو لميليشياته، لكن الشواهد التالية تثبت أن التهديدات تصدر بقوة في ساعة الحدث، ثم يعتمد رأس النظام على الوقت كي يهدأ مؤيدوه، وبهذا يتحرر من اي رد قد يكلفه كثيرا:

عماد مغنية وجنرال إيراني

هو من أهم القيادات العسكرية لحزب الله اللبناني، قتل في 12 فبراير 2008 بتفجير سيارة في حي كفرسوسة بدمشق، واتهم الحزب إسرائيل بالوقوف وراء الحادث.

وتوعد زعيم الحزب حسن نصر الله بالرد قائلا إن “معركة إنهاء إسرائيل بدأت”، وهو وعيد بقي في إطار التصعيد الكلامي لاسترضاء مناصريه.

نجل عماد مغنية والقنطار ومسؤول عسكري إيراني

في 2015، قتل ستة عناصر من حزب الله ومسؤول عسكري إيراني، في غارة إسرائيلية في يناير على منطقة القنيطرة جنوب سوريا.

وكان بين القتلى جهاد مغنية نجل عماد مغنية الذي قتل في تفجير سيارة مفخخة استهدفه في دمشق في 2008.

وفي غارة أخرى في ديسمبر 2015، قتل القيادي العسكري سمير القنطار بغارة إسرائيلية قرب العاصمة السورية.

وضربت إسرائيل مواقع إيرانية في سوريا، لكن الأخيرة لم ترد ولو لمرة واحدة، في حين أنه عندما هاجمت مجموعة متطرفة موقعا عسكريا في مدينة الأهواز جنوب غربي إيران وقتلت 24 شخصا خلال عرض عسكري في 22 سبتمبر 2018، قامت إيران بشن هجوم بصواريخ بالستية وطائرات مسيرة على مواقع التنظيم في مدينة البوكمال الحدودية في محافظة دير الزور في الأول من أكتوبر من نفس العام.

قافلة شاحنات عسكرية

بالإضافة إلى ذلك استهدفت إسرائيل في غارة جوية قافلة من الشاحنات شرقي السودان عام 2008 قالت إسرائيل أنها أسلحة إيرانية في طريقها إلى حركة حماس في قطاع غزة.

وفي عام 2007 تم تفجير موقع يشتبه بأنه نووي في الصحراء السورية.

علماء إيران

في إيران نفسها، قتل خمسة علماء، أربعة منهم على علاقة ببرنامج إيران النووي، في هجمات بقنابل أو الأسلحة النارية في طهران بين العامين 2010 و2012.

ورغم أن طهران اتهمت الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) بإصدار الأوامر لتنفيذ عمليات القتل، ثم هددت بالثأر، ولم تفعل شيئا.

أهداف إيرانية

ضربت إسرائيل نحو 220 هدفا إيرانيا في سوريا أسفر عن مقتل العشرات من العسكريين الإيرانيين.

ففي التاسع من أبريل 2018، قتل 14 مقاتلا بينهم سبعة إيرانيين في ضربة نسبت إلى إسرائيل واستهدفت قاعدة عسكرية في محافظة حمص (وسط).

وفي الثامن من مايو من نفس العام، أسفرت ضربة نسبتها دمشق والمرصد السوري إلى إسرائيل عن مقتل 15 مقاتلا أجنبيا مواليا للنظام بينهم ثمانية إيرانيين قرب دمشق.

وفي العاشر من مايو، شنت إسرائيل عشرات الغارات على أهداف قالت إنها إيرانية، وذلك ردا على إطلاق صواريخ على هضبة الجولان، أدت إلى مقتل 27 مقاتلا مواليا للنظام بينهم 11 إيرانيا.

وفي 15 يوليو 2018، استهدفت صواريخ موقعا تابعا للحرس الثوري الايراني قرب مطار النيرب العسكري في حلب. مقتل تسعة مقاتلين موالين للنظام بينهم ثلاثة أجانب.

“مهما كلف الثمن”

في أغسطس 2019، زعيم حزب الله حسن نصرالله بالرد على الهجوم الاسرائيلي على لبنان “مهما كلف الثمن”، بعد ساعات من سقوط طائرة استطلاع وتنفيذ أخرى ضربة على “هدف” في معقله في الضاحية الجنوبية لبيروت.

وبعد إعلان اسرائيل شن غارات قرب دمشق، قالت إنها طالت مواقع تابعة لفصيل إيراني، أعلن نصرالله الذي يقاتل حزبه في سوريا دعما لقوات الأسد وتدعمه إيران، إن القصف الإسرائيلي طال مركزا لحزبه، وأدى إلى مقتل إثنين من عناصره.

وقال الدكتور يوسي منشارف من معهد القدس للاستراتيجية والأمن المتخصص في شؤون حزب الله “إن حزب الله مشغول للغاية بالاحتجاجات في لبنان. لكن يمكن لحزب الله العمل من الجانب السوري ضد إسرائيل، فلن يجرؤوا على جر لبنان إلى تصعيد عسكري مع إسرائيل”.

وأضاف منشارف “في سوريا لا يوجد فقط حزب الله وفيلق القدس، بل هناك أيضا العديد من الميليشيات التي دربها سليماني”.

كان آخر ما فقدته إيران، هو زعيم ميليشيا فيلق القدس الإرهابية سليماني بضربة أميركية الجمعة الماضي بعد يومين من مهاجمة السفارة الأميركية من قبل ميليشيات تمولها إيران.

وبعد مقتل سليماني وبجانبه قائد ميليشيا كتائب حزب الله العراقي الموالي لإيران، تعالت أصوات إيران التهديدية المعتادة، لكن الرئيس الأميركي قال إن إيران “تتحدث بوقاحة شديدة عن استهداف بعض الأصول الأميركية كانتقام لتخليصنا العالم من زعيمهم الإرهابي الذي كان قد قتل لتوه أميركيا وأصاب آخرين بجروح شديدة، ناهيك عن كل الذين قتلهم طوال حياته بما فيهم مئات من المتظاهرين الإيرانيين مؤخرا”.

وأضاف أن الولايات المتحدة “حددت 52 هدفا إيرانيا (يمثل عدد الرهائن الأميركيين الذين احتجزتهم إيران منذ سنوات) بعضها ذو أهمية بالغة لإيران (..) هذه الأهداف وإيران نفسها ستضرب بسرعة كبيرة، وبقوة شديدة”، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن الولايات المتحدة لا تريد مزيدا من التهديدات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: