لماذا أثارت شجرة كريسماس جدلاً في طرابلس اللبنانية؟

هذه ليست المرّة الأولى التي تنصب فيها شجرة كريسماس في طرابلسمصدر الصورة
OMAR EL IMADY

Image caption

هذه ليست المرّة الأولى التي تنصب فيها شجرة كريسماس في طرابلس

بادر بعض أهالي مدينة طرابلس (شمال لبنان)، إلى نصب شجرة ميلادية وتزيينها بألوان العلم اللبناني، في ساحة عبد الحميد كرامي، الساحة الرئيسيّة في المدينة، المعروفة باسم ساحة النور.

وأثارت المبادرة سجالاً بين متحمّسين للفكرة، ومعارضين لها، على مواقع التواصل. بعض الرافضين لتزيين الشجرة اعتبروا أنّ كلفتها ستكون أنفع لو صرفت لمساعدة الفقراء في المدينة، في ظلّ الأزمة المالية التي تعصف بالبلاد. واعتبر آخرون أنّ زينة عيد الميلاد بدعة تتعارض مع تقاليد المدينة ذات الطابع الإسلامي.

غالبية سكّان طرابلس من المسلمين السنّة، وكانت المدينة تاريخياً معقلاً للزعامات التقليدية مثل آل كرامي، وكان لها في العقد الماضي الكلمة الفصل في قياس شعبيّة تيار المستقبل ورئيسه سعد الحريري، وشخصيات نافذة أخرى مثل نجيب ميقاتي، ومحمد الصفدي.

في الوقت ذاته، يتبع جزء من سكان طرابلس للطائفة العلوية وفيها طوائف مسيحية عدّة، خاصة الموارنة والروم الأرثوذكس. فهي مقرّ للأبرشية المارونية في الشمال، وفيها كنائس تاريخية للسريان والانجيليين.

هذه ليست المرّة الأولى التي تنصب فيها شجرة كريسماس في المدينة، لكنّها كانت توضع على مستديرة قريبة من مستشفى النيني، على مدخل المدينة الجنوبي، لتستقبل الوافدين عبر الطريق السريع من بيروت.

في عام 2013 أصدر القضاء اللبناني مذكرات توقيف بحقّ شخصين اشتبه بتورطهما في إحراق شجرة عملاقة نصبت على تلك المستديرة. هذه السنة، نصبت الشجرة في ساحة النور، للمرّة الأولى، تماشياً مع الحركة الشعبيّة التي شهدتها المدينة منذ انطلاقة التظاهرات في لبنان في 17 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

عروس الثورة

مشاركة الطرابلسيين الكثيفة في التظاهرات جعلت اللبنانيين من باقي المناطق يمنحون عاصمة الشمال لقب “عروس الثورة”. جذبت الاحتجاجات في الساحة الإعلام بالهتافات المبتكرة، والأجواء الاحتفالية، والموسيقى.

ساهم ذلك في تحرير المدينة من وصمة التطرّف والانغلاق التي ارتبطت بها مع اتساع نفوذ بعض الشخصيات والجهات السلفيّة فيها، والصراعات السياسية التي شحنت الشارع مذهبياً.

حملت الاحتجاجات في طرابلس رمزيّة خاصة، لأنّها رغم كونها من مدن لبنان الرئيسية، إلا أنّها تعاني من إهمال مزمن، وتعدّ من أفقر المدن في المنطقة. انعكاس الحرب السورية على المدينة كان قاسياً، إذ أنّها تعافت بصعوبة من المعارك في حيي باب التبانة وجبل محسن، والتي تصاعدت كصراع مذهبي.

رأى البعض في الاحتجاجات المعيشية متنفساً للطرابلسيين لكي ينتفضوا على الصورة النمطيّة الظلامية الملتصقة بمدينتهم، إذ احتشد في الساحة ناشطون من مشارب مختلفة، منهم العلماني، ومنهم المدني، ومنهم السلفي، ومنهم الإسلامي، ومنهم من كان قبل مدّة تابعاً للأطراف السياسية النافذة في المدينة، بحسب بعض الناشطين الطرابلسيين المتابعين لتقلّب مزاج الساحة منذ اليوم الأوّل.

فكرة نصب شجرة كريسماس في ساحة النور، أحدثت شرخاً في المشهد، إذ أنّها استفزت بعض رجال الدين المسلمين، مقابل تمسّك ناشطين أساسيين في التظاهرات بالفكرة.

“وجه المدينة الحقيقي”

في خطبة الجمعة الماضي (6 كانون الأول/ ديسمبر)، قال الشيخ محمد إبراهيم، رئيس المكتب الإعلامي لـ”حزب التحرير في ولاية لبنان”، إنّ فكرة الزينة “تشويه لوجه طرابلس في غمرة الحراك، طرابلس هويتها إسلامية ولن نسمح بتغييرها. وضع شجرة الميلاد في ساحة النور مشروع فتنة واستفزاز للمسلمين”.

وعبّر الشيخ إبراهيم وهو يؤم المصلين في ساحة النور، عن رفضه لوضع شجرة الميلاد في وسط الساحة التي يزين وسطها نصب لعبارة لفظ الجلالة الله. ووجّه نداءً إلى مجلس بلدية طرابلس ودار الفتوى والقوى الأمنية لإزالة “المخالفات الشرعية المستفزة للكثرة الكاثرة في لبنان”.

يقول مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار في اتصال مع “بي بي سي” إنّ “البلد فيه طوائف ومذاهب تعددت وتنوعت، والعيش بينهم قائم، وكلّ يمارس حريته الدينية والاجتماعية من دون أن يزعج الآخر، ولا الآخر يزعجه. كلّ سنة ترفع شجرة ميلاد في طرابلس، ولم يحدث أي مشكلة في السابق. أنا لا أعلم أنّ هناك مشكلة حدثت في طرابلس حول هذا الموضوع السنة، كل ما حصل أنّ مكان الشجرة تغيّر، ولم أسمع عن أيّ اعتراض على الموضوع”.

موقف الشيخ محمد إبراهيم أجّج النقاش على مواقع التواصل، بين مؤيّد اعتبر أنّ زينة الميلاد لا تتماشى مع تقاليد طرابلس الإسلامية، ومعارض رأى أنّ تقاليد المدينة متنوّعة وجامعة ولا يمكن حصرها بطابع واحد.

رسالة رمزية

من بين المدافعين عن نصب الشجرة المحامي والناشط الحقوقي خالد مرعب الذي قال لـ”بي بي سي” إنّ الشجرة في الأعوام السابقة لم تكن تحظى بإجماع أهل المدينة، ولكنّها استفزّت البعض بشكل أكبر هذه السنة، لأنّها نصبت في ساحة النور.

ويضيف خالد مرعب: “نصب الشجرة في ذلك المكان بالتحديد، هو خطوة نحو لبننة الساحة، وجعلها ساحة جامعة، ما يعدّ تحدياً لبعض المجموعات المنغلقة. لقد برّر البعض رفضهم للشجرة باعتبارات اقتصادية، مع العلم أنّها لم تكلّف شيئاً، ومعظم المواد التي استخدمت فيها خضعت لإعادة التدوير”.

ويضيف: “الرسالة الرمزيّة الأجمل كانت أنّ من ساهمن بتزيين الشجرة كنّ سيدات محجبات من المدينة، وهذه صورة قوية جداً عن هوية المدينة الحقيقيّة، وهي عاصمة الشمال، ولا يمكن حصرها بزواريب ضيقة”.

قبل قضية الاعتراض على شجرة كريسماس، شهدت المدينة سجالات في السابق بين بعض الشيوخ ومواطنين. فقبل سنوات، طليت إعلانات ملابس داخلية على مدخل المدينة بالأسود، كما طليت وجوه ممثلات في إعلان لمسلسل رمضاني محلّي. وشهدت المدينة جدلاً بشأن إعلانات للبيرة، وطُلب إزالة إعلان لمشروب غازي يظهر فيه الجزء العلوي من جسد شابة بلباس البحر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: